أخبار عاجلة
الرئيسية / أخبار / (مذكّرات مهجّرٍ إلى إدلب ) في الذكرى السنوية للتهجير القسري لمجاهدي مدينة التل , بقلم شاب مهجر

(مذكّرات مهجّرٍ إلى إدلب ) في الذكرى السنوية للتهجير القسري لمجاهدي مدينة التل , بقلم شاب مهجر

#أخبار_جوبر

(مذكّرات مهجّرٍ إلى إدلب ) في الذكرى السنوية للتهجير القسري لمجاهدي مدينة التل بقلم شاب مهجر

02/12/2016 كانت تلك ليلةً قاسية .. لا أنسى في تلك الليلة عندما أقبل المنادي ينادي .. أنِ (القرار الأخير قد اتُّخِذ، سنغادر البلدة غداً صباحاً .. احزموا أمتعتكم) نزل الخبرُ عليّ كالصاعقة المزلزلة، وضاقت عليّ الأرض بما رَحبت،وأظلمت عليّ مدينتي حتى كأنّي انزويتُ بتفكيري للحظاتٍ خارج هذا العالم .. لم تُفلح محاولاتي بالتظاهرِ بالقوّة أو بإقناع نفسي بأن الأمر سيكونُ طبيعياً. لقد أصاب ذلك الخبرُ من قلبي وفعل به ما لم تفعله تلك الشظيّةُ التي اخترقت ساقي قبل أيّام، وقد كانت شِدّتُه ووطأتُه على مسامعي أشد من أصوات البراميل العنيفة التي كانت تهبط علينا في جنح الليل فتشعل السماء ضوءاً وجمراً وتترك حفراً من خلفها بجوارنا وأخاديد تنسال منها الذكريات.. وبسبب ضيق الوقت .. وفي غَمرة ما استجد في هذه الليلة هرَعتُ لأصلح ما أستطيع من شؤوني وأقضي احتياجاتي ممّا يعينني على تحمّل لأواء الحياة المقدم عليها البعيدة عن من كان ملاذي ومأواي ، لأنّ الاعتقاد أنّ هذه الهجرة ستكونُ طويلة الأمد، إن لم تكن الهجرة التي لا عودة بعدها.. فرضَ عليَّ ضيقُ الوقت أن أطوف على غالب مدينتي تلك الليلة ، ما دخلتُ زقاقاً ولا حياً إلا ووجدتُّ فيه بؤسًا ظاهرًا عجزتْ ملامح الوجوه أن تستره. ولم يكن ذلك من أمرٍ قليل .. ففي هذه الليلة تودّعُ المدينة أبطالها الذين لطالما وقفوا سداً منيعاً مستعدين لفدائها بأرواحهم .. عدتُّ إلى المنزل في وقتٍ متأخرٍ، كان لديَّ بضعُ ساعاتٍ فقط لأريح جسدي المتعب وروحي المثخنة بجراح الأسى .. التقيتُ والدي .. حملتْ عيناه مزيجا من المشاعر، الحبُّ يشوبه الأسى والحرقة، ولكن بكبريائه المعتاد، ربت أبي على كتفي وقال: (إذا كان السجن للرجال فالهجرةُ للأبطال).. طرقت كلماتُه مسامع قلبي، واستثارت أنهر الدموع الحبيسة داخل مقلتيّ، والتي لم تحظَ بساعة خلوة لتجد حريتها إلى خدّيَّ، بادلتُه التحيّة ..ومن ثم اتجهتُ إلى غرفتي بهمومٍ تنوءُ عن حملها الجبالُ الرّواسي.. دخلتُ وإذ بالذكريات تصطفّ خلف الباب مستأذنةً بالدخول، أذنتُ لها لعلّ دموعاً تسيح على أثر الذكريات فتريح نفسي قليلاً من الهموم الجاثية عليها .. نثرتُ كنانة الذكريات بين يديّ .. وما هي إلا لحَظاتٍ وإذ بشريط الذكريات يعود بي سنيناً إلى الوراء.. كلحظات محتضرٍ عُرضتْ عليه أيام الدنيا بدقائق .. آهٍ يا أبي .. أنتَ المعادلة الصعبة في هذه الهجرة.. فلا طاقة لي بالبعدِ عنك أبداً .. وهل يستطيع جسدٌ العيش بعد خروج روحه منه؟ ما طاقتي غداً باستقبال صباحٍ لا يبدأ بوجه أبي ولا بصوته الحنون يوقظني على الفجر، تذكرتُ جلوسه بجانبي ساعات كآبتي، وإصغاءه لما أبثه من شكاوٍ، والسعي في حلّ ما يعترضني، لم تكن تربطني بوالدي علاقة أبوّة فقط .. نِعمَ الأبَ المرشد هو، جمع إلى حكمته وحزمه حنانَ الأم وسند الأخ وإشفاق النّاصح .. كان شديدٌ من غير قسوة، لينٌ من غير إفراط، فيا سوأتا ذلك اليوم الذي سأودّع فيه روحي .. اختلطت كنانة الذكريات بفيض الدموع التي لم أحتمل في هذا الموقف المهيب أن أخفيها .. ثم اقتحمتْ ذكريات الأيام الماضية ذهني مع تلك الحنون الطيبة .. جَدّتي، وماذا أنا فاعلٌ بغيابي عنها !؟ سلّمَتْني غرفةً منفصلة في بيتها من حبها لي وقالت فلتفعل فيها ما يحلو لك ، سررتُ بذلك لأبقى قريباً منها .. فوجهها في الصباح كان يبعث بيَ الأمل ، لا زلتُ أذكرُ قراءة الشيخ عبد الباسط عند نهوضها قبل الفجر .. حتى صار قلبي شغوفاً بصوته لأنه يذكّرني بها، فنجان القهوة الساخن التي كانت تحضّره لي ولأصحابي في الصباح لم يكن كالقهوة التي أعرف .. لعلّه من أنفاسها المعطّرة ، لا أنسى في آخر تلك الأيام عندما اضطررت إلى مضاعفة أيام الرباط كيف كانت تسأل عنّي ، كحبيبةٍ هجرها محبوبها ، عند عودتي وقبل دخول بيتي جئتُ إليها بقلبٍ شغوفٍ مشتاق.. ألقيتُ السلام فصرختْ في وجهي : (وينك كل هالمدّة.. ما بتعرف انو قلبي غلي عليك) .. ضحكتُ وطيّبتُ خاطرها .. وانزويتُ في إحدى زوايا البيت باكياً أقول : ماذا لو علمتْ أنه سيأتي يومٌ قريبٌ لن أراها بعده، لا زلتُ أذكرُ مُزاحها وملاطفتها إياي عند نزولي إليها مساءً قائلة : (وين شلّة حَسَبَ الله اليوم ما بيّنوا)؟ هذه الجزئيات الصغيرة جعلتني انفجر بكاءً ، وأتسائل: لمن سأدع هذه العجوز الطيّبة المسكينة التي ليس لها سواي؟ ياربّ ضاق الصدر .. أبي وجدّتي سأفقدهم دفعةً واحدة ؟ من يقوم على خدمتهم ويقف بجانبهم ويكفيهم شيئاً من مؤنة الحياة ؟ لا جواب.. سوى مزيدٍ من الدموع .. سأغادر غرفتي المستقلة التي قضيتُ فيها أجمل أيامي مع رفاقي الذين كانوا يجدون متنفّسهم في سهرتنا اليومية ، كم اجتمعنا بعد صلاة الفجر بمجالسٍ أنقى من هواء ذلك الوقت .. كم سهرنا وقضينا الساعات في نقاشاتٍ وجدالاتٍ شهدها علينا ذلك المكان .. آهٍ آهٍ .. هل حقاً ستصبح تلك الاجتماعات جزءاً من ماضينا الجميل .. هل كانت سنيّ انتظار عودة أهلي لنجتمع معاً على مائدة واحدة، مجرّد خيالاتٍ وأوهام .. أطلقتُ العَنان في تلك الليلة لمدامعي .. مع صدقِ التجاءٍ لمسبب الأسباب منادياً: {ياربّ أوحشني الطريق وإنني .. أرنو إليك لأهتدي .. ألهم رياحي رُشدَها .. } نعم .. جلستُ أفكر بطريقةٍ أستطيع بها الالتفاف على ذلك القرار.. لكن كانت الخيارات جميعها أسوء من بعضها البعض وبالفعل ؛ أسوء القرارات أن تُخيرَ بين ألمين، أن تختار أهون الخسارتين .. أن تبتر بعضك لتنقذ بعضك الآخر . قطع عليّ تفكيري ذلك الصوت النديّ الذي شقّ الأجواء .. صوت صديقي المحبّب إلى قلبي يؤذنُ الفجر، هذا النّداء الأخير الذي سيدخل إلى مسامعي منه ليبقى ذكرى تضاف إلى ذكرياتي في البلدة .. انتشر الضياءُ في الآفاق مؤذِناً بحلول وقت الرحيل .. تحاملتُ على نفسي أمام جدّتي، قدمتُ إليها وإذ بها تسقط أرضاً مغشيّاً عليها من البكاء، قبّلتُها مع شهَقاتٍ لا تتوقف .. نظرتُ إليها نظرةً قد تكون النّظرة الأخيرة في حياتي ، صعدتُّ في المركبة مع أصدقائي وأبي .. وأنا أسمعُ نشيجاً متقطّعاً صادراً منهم ،

يناديني أحدهم فأشيحُ بوجهي عنه لكي لا يرى ذلك السيل الهادر من الدّموع .. وصلنا إلى الساحة .. ورأيت ذلك المنظر المهول ، رجال المدينة ينتظرون تلك الحافلات اللعينة لتهجّرهم من بلادهم التي سيُنفَون منها ويستوطن الأغراب مكانهم .. كل شيءٍ هناك كان يبكي كما المدينة كلها .. الأخوة وأهاليهم وأبناءهم .. الشوارع .. حتى السماء تلبَّدتْ بسحاب الحزن.. ورشَحَت دموعاٌ على الأبطال كأنها تواسيهم .. نظرتُ نظرةً عامّة على الإخوة قائلاً لصديقي المقرّب خطّاب : [أرأيتَهم .. شُهُباً تسافرُ في سماء الحالمين ، أرأيتَهم .. كالأنبياءِ يسوؤهم وضع الجباه لكلّ طاغوتٍ لعين، أرأيتَهم .. عند الأصيل يوِّدعون صغارهم .. يستودعون الله عصفَ قلوبهم .. ويغادرون على جَناحٍ من يقين..] انتهيتُ وإذ بالحافلات قد قدِمتْ .. وبعد ما كنتُ أداري دمعةً أن تسقطَ على خدّيّ ، اجتاحتْني رغبةٌ عارمةٌ في البكاء .. نظرتُ برفاقي وأبي سائلاً: [هل تُرانا نلتقي أم أنها .. كانت اللقيا على أرض السراب ] وتوقّف الشعرُ والصوت منّي أمام هيبة الموقف.. ركضتُّ وألقيتُ بنفسي في حضنِ أبي وقلتُ يا عيني سُحّي دمعاً .. بكيتُ حتى ظننتُ أن الدمع بأعيني قد نفد ، قبّلتُ يده ورأسه وقلت.. فلْترضَ عنّي يا أبي ، توجه إلى السماء وقال : اللهمّ إني أُشهدكَ أنّي راضٍ عن ولدي فارضَ عنه ووفّقه أينما اتّجه، ودّعتُ أصحابي كميْتٍ يودّع الدنيا .. لقد كانوا الهناء الذي أعيشُه في هذه الحياة .. ضممتُ جلّهم بين أضلعي وبثوانٍ تمنّيتُ لو أُقتَل ولكن لا أفارقهم .. ولكن الله غالب وقضاؤه نافذ .. وقفتُ أخيراً أمام صديق الدرب والطّفولة الذي شاركني أفراحي وأتراحي .. هناك شيءٌ منعني من الإقبال عليه ومعانقتِه .. لعل الموقف كان جليلاً بالقدْر الذي منعني من إعلان وداعه، وما هي إلا لحظاتٍ وإذ به يُقبِلُ عليّ ويعانقني مع شهَقاتٍ عالية كاد صوتها يشق السماء .. مرّت دقائق ونحن على تلك الحالة .. وبدأ السائق ينادي: (يلاا يا إخوة تأخرنا .. يللا بيكفي) .. قبّلتُه وصعدتُ إلى الحافلة ، انطلَقَتْ … وكانت نظرتي الأخيرة إلى مدينتي ، وقلتُ مودّعاً كما قال أُسوتي من قبلي عندما أخرجه أهل بلدته منها: [ والله إنك لأحبُّ البلاد إليّ ، ولولا أنّ أهلكِ أخرجوني منكِ ما خرجتْ].. وما زال الأملُ قائماً في عودتنا قريباً.

عن محمد أبو يمان

شاهد أيضاً

تمكن مجاهدو اتحاد قوات جبل الشيخ من قتل 1- العميد الركن عدنان بدور 2- الرائد زياد خليل 3- الملازم شرف “طارق اليحيى” 4- الشبيح “خالد سويدان

#أخبارجوبر تمكن مجاهدو #اتحادقواتجبلالشيخ من قتل 1- العميد الركن عدنان بدور 2- الرائد زياد خليل …

اترك رد